الرضا والقبول سرّ الإيمان وطمأنينة الروح
من الناحية اللغوية، يدلّ الرضا والقبول على أن يتقبّل الإنسان الأمر عن محبة واختيار، وأن يستسلم له بقلب مطمئن من دون نفور أو اعتراض. ولذلك، يقف الرضا في الطرف المقابل تماماً للكراهية ورفض الواقع وعدم القبول به.
إنّ كل مبدأ أخلاقي توحيدي راسخ في نفس المؤمن ليس إلا ثمرةً للمعرفة الروحية والوعي بقيمة الحقيقة. فحين يدرك الإنسان عظمة الخالق وسموّه، يمتلئ قلبه بالمحبة والخشية والتضرّع، ويتحوّل الرضا عندئذٍ إلى سكينة داخلية تسمو فوق قسوة الأقدار، وتستقبل حكم الله ومشيئته بصدر رحب وإيمان ثابت.
فالذين يقبلون إرادة الله بتسليم صادق هم الذين قيل فيهم إنهم يحبّون الله ويحبّهم الله. ومحبة المؤمن لله تعني أن يتقبّل قضاؤه بمحبة وثقة، أما محبة الله لعبده فتعني أن يسير المؤمن في طريق الحق، ويلتزم بأوامره، ويجعل أعماله انعكاساً لإيمانه.
إنّ خالق الكون، تعالى اسمه، هو مصدر سعادة الصالحين الذين يرضون بحكمه. وهذه السعادة ثمرة عظيمة لا ينالها إلا من زرع في حياته مبدأ الرضا برب العالمين، وسعى إلى مرضاته. فمن رضي بالله وقضائه، رضي الله عنه، ورُزق حياة طيبة في الدنيا، وفاز بالخير والنعيم في الآخرة.
كما أن القناعة بالقليل، والرضا بالنصيب، وقبول القضاء بصبر وطاعة، تمنح المؤمن حياة أكثر هدوءاً واستقراراً، وتزرع في قلبه الطمأنينة، وتخفف عنه ثقل المصائب. وهي كذلك باب للأجر والمغفرة وتكفير الخطايا في الدنيا، أما في الآخرة فجزاء المؤمن الصابر الراضي هو الرحمة والنعيم.
لهذا، يكمن سرّ الإيمان الحقيقي في الرضا بإرادة الله وقبول مشيئته. فطوبى لمن رضي بنصيبه، وشكر على ما أُعطي، وصبر على ما ابتُلي به، وأيقن أن تدبير الخالق أرحم وأحكم من تدبير الإنسان لنفسه.
