تراث وآثار

قبل أكثر من مئة عام قامت دولة جبل الدروز واعترفت فرنسا بحق أبنائها في حمل السلاح داخل أرضهم فلماذا يحاول البعض اليوم فرض واقع مختلف؟

1 الإعجابات
37
7 دقائق قراءة
قبل أكثر من مئة عام قامت دولة جبل الدروز واعترفت فرنسا بحق أبنائها في حمل السلاح داخل أرضهم فلماذا يحاول البعض اليوم فرض واقع مختلف؟
14px16px18px20px22px24px
حفظ
الإعجابات
بل أكثر من مئة عام قامت دولة جبل الدروز واعترفت فرنسا بحق أبنائها في حمل السلاح داخل أرضهم فلماذا يحاول البعض اليوم فرض واقع مختلف؟

ليست هذه حكاية من الذاكرة الشعبية، ولا رواية أضيفت إليها تفاصيل مع مرور الزمن، بل فصل موثق من تاريخ جبل الدروز تعيد دراسته الباحثة الفرنسية Lenka Bokova بالاعتماد على وثائق ومراسلات محفوظة في الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي.

وتكشف الدراسة أن قضية سلاح الدروز واستقلالية الجبل لم تبدأ في عشرينيات القرن الماضي.

فبحسب الدراسة، اتسم تاريخ دروز حوران خلال الفترة الممتدة من عام 1685 حتى عام 1925، وخصوصاً خلال المئة عام الأخيرة منها، بالدفاع الشديد عن الحكم الذاتي.

وقبل وصول فرنسا بقي الدروز مسلحين وخارج السيطرة العسكرية المباشرة للسلطة المركزية، وفشلت محاولات فرض التجنيد ونزع السلاح وإقامة الحاميات عليهم، وكانت تلك المحاولات مكلفة في كثير من الأحيان.

وبحسب إحصاءات عام 1920 التي تستند إليها الدراسة، كان يعيش في جبل حوران 42,686 درزياً، وكانوا يشكلون 85 بالمئة من سكان المنطقة.

البداية من قنوات

بعد وصول الفرنسيين، وضع الجنرال Georges Catroux تصوراً للتعامل مع الجبل بالوسائل السياسية بدلاً من الدخول في حملة عسكرية مكلفة.

وكانت خطته تقوم على الوصول أولاً إلى تفاهم بين الزعامات الدينية والزمنية، ثم عقد جمعية عامة تضع مشروعاً لنظام الحكم.

وفي 25 تشرين الثاني 1920 عقد اجتماع عام في قنوات.

أقر الاجتماع مشروع نظام يعترف بالانتداب، وتقول الدراسة إن النسخة الناتجة عن هذا الاجتماع هي على الأرجح الوثيقة التي بقيت محفوظة في الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي باسم

Texte druze

أي

النص الدرزي

وحمل سليم الأطرش هذا المشروع إلى دمشق، حيث بدأت المفاوضات مع Catroux.

اتفاق 4 آذار 1921

بعد مفاوضات وتعديلات على المشروع، تم تجاوز إحدى القضايا الخلافية المتعلقة بمن يتولى منصب الحاكم.

وفي 4 آذار 1921 وقع ممثلو العائلات الدرزية المشاركون الاتفاق، بعد إرساله إلى Robert de Caix الذي وقع عليه بصفته ممثلاً للجنرال Gouraud.

كان الاتفاق متبادلاً، ولم يمنح طرفاً واحداً كل شيء.

اعترف الموقعون بالانتداب الفرنسي ومنحوا سلطته صلاحيات مهمة شملت تحديد الحدود، وتدخل المستشارين الفرنسيين لدى الحكومة الدرزية في القضايا القانونية والإدارية، والموافقة النهائية على انتخابات المسؤولين والحاكم، وعلى القوانين والميزانية والقرارات.

كما شملت صلاحيات الانتداب المساعدة التقنية والمالية والاقتصادية والعسكرية، والتمثيل في الخارج، وصلاحيات تتعلق بعزل الحاكم.

وفي المقابل جاءت تعهدات فرنسية شديدة الأهمية.

تعهدت سلطة الانتداب بضمان وحماية استقلال الدولة الدرزية تجاه بقية سوريا.

وتعهدت بإعفاء الدروز من الخدمة العسكرية.

كما تعهدت بالسماح للدروز بحمل أسلحتهم داخل البلاد.

وتعهدت أيضاً بإبقاء المناصب القيادية ومنصب الحاكم لهم وعدم التدخل في شؤونهم الدينية.

وهذه النقطة تحديداً تستحق التوقف عندها اليوم.

فحتى القوة المنتدبة التي كانت تسعى إلى تثبيت وجودها وسلطتها في المنطقة قبل أكثر من مئة عام، وقعت اتفاقاً يتضمن السماح للدروز بحمل سلاحهم داخل أرضهم.

فلماذا يحاول البعض اليوم فرض واقع مختلف على جبل عرف تاريخياً تمسك أهله بسلاحهم وحكمهم الذاتي؟

هذا السؤال ينتمي إلى حاضرنا، أما ما سبقه فهو ما تسجله الدراسة والوثائق التي اعتمدت عليها.

من الاتفاق إلى قيام الحكم

لم يبق الاتفاق حبراً على ورق في سنواته الأولى.

ففي 5 نيسان 1921 اعترفت سلطة الانتداب باستقلال جبل الدروز، وتذكر الدراسة أن هذا الاستقلال أعلن رسمياً بعد عام في 5 نيسان 1922.

وفي 20 نيسان 1921 كلف Gouraud سليم الأطرش بتشكيل الحكومة الجديدة.

وفي 1 أيار 1921 اجتمع الزعماء الدروز في السويداء وانتخبوا سليم الأطرش، ثم عينه المفوض السامي رسمياً حاكماً ومنحه لقب أمير.

وفي 6 أيار انتخب المجلس وعين الضابط الفرنسي الكابتن Trenga مستشاراً لدى الحاكم.

وفي آب 1921 أقامت فرنسا حامية عسكرية في السويداء.

دولة جبل الدروز

توضح الدراسة أن التقسيم السياسي والإداري للمنطقة تغير أكثر من مرة خلال السنوات الأولى للانتداب.

بين عامي 1920 و1922 ظهر جبل الدروز ضمن التقسيم بصفته إقليماً.

أما بين عامي 1922 و1925 فتذكر الدراسة بشكل صريح وجود كيان يحمل اسم

État du Djebel druze

أي

دولة جبل الدروز

وكانت دولة جبل الدروز منفصلة عن الاتحاد السوري الذي ضم في تلك المرحلة حكومة حلب وحكومة دمشق ودولة العلويين وسنجق الإسكندرونة، كما كانت دولة لبنان الكبير كياناً منفصلاً أيضاً.

وتؤكد إحدى ملاحظات الدراسة بصورة أوضح أن دولة جبل الدروز كانت مستثناة من الاتحاد السوري بين عامي 1922 و1925.

وأصبحت السويداء عاصمة دولة جبل الدروز، وهو أمر تؤكده الدراسة لاحقاً بصورة مباشرة عند حديثها عن الدور الذي اكتسبته المدينة بعد أن أصبحت عاصمة الدولة.

لم يكن الموقف الدرزي واحداً

لكن التاريخ أكثر تعقيداً من صورة الاتفاق وحدها.

فالدراسة توضح أن جميع الزعامات الدرزية لم تشارك في المفاوضات ولم توافق على الاتفاق.

وتذكر أن سلطان الأطرش ابتعد عن المفاوضات وقاطعها ولم ينتظر شيئاً من سلطة الانتداب.

كما امتنعت عائلة عامر عن دعم اتفاق رأت أنه يمنح منافسيها أفضلية، في حين لم يشارك زعماء آل الحلبي في المفاوضات ولم يوقعوا الاتفاق، وكانوا من أنصار الوحدة ومعارضي الانتداب.

وتتناول الدراسة أيضاً موقف عبد الغفار من السويداء والخلافات المرتبطة بموازين القوى بين بيوت الجبل.

ولهذا ترى الباحثة أن مقاطعة الاتفاق لم تكن تعني شيئاً واحداً دائماً، فقد تكون رفضاً للانتداب وقد تكون مرتبطة أيضاً برفض هيمنة آل الأطرش.

من وقع الاتفاق

تورد الدراسة أسماء الموقعين على اتفاق 4 آذار 1921 كما ظهرت في مصادرها

فضل الله هنيدي، نسيب الأطرش، سليم الأطرش، توفيق أبو عساف، عقلة قطامي، قفطان عزام، فخر الدين الشعراني، مسعود غانم، جبر شلغين، نايف أبو فخر، دهري شلغين، دحل الله أبو فخر، نسيب الحسيني، حسين أبو فخر

لكن الدراسة لا تخفي الخلاف الذي ظهر لاحقاً حول مدى تمثيل هؤلاء لجميع الجبل.

فقد طعن Carbillet في تمثيل الموقعين، وتذكر الدراسة أنه وفق حججه كانت ست عائلات فقط من أصل خمس عشرة عائلة رئيسية ممثلة في الاتفاق، وأن عدداً من الفروع والقرى لم يكن ممثلاً بتوقيعات.

وفي المقابل، تنقل الدراسة شهادة حسن جربوع التي أكدت أن محمود أبو فخر كان يحمل تفويضاً مكتوباً من ثلاثة زعماء دينيين آخرين للتوقيع.

الاتفاق الذي بدأ يتحول إلى مشكلة

بعد سنوات قليلة بدأت العلاقة تتغير.

تشير الدراسة إلى أن الاتفاق الذي ساعد في البداية على إقامة نظام الانتداب في الجبل أصبح لاحقاً عائقاً أمام الاتجاه نحو الإدارة المباشرة.

وتربط ذلك بتغير السياسة الفرنسية وتبدل المسؤولين وعدم استقرار إدارة الانتداب.

ثم تظهر واحدة من أكثر التفاصيل إثارة في القصة.

النسخة الأصلية من الاتفاق أصبحت مفقودة من الأرشيف.

بحسب رسالة مؤرخة في 27 تموز 1926 لم يكن أصل الاتفاق موجوداً في الأرشيف، رغم وجود مراسلات أخرى تثبت تداول الوثيقة الأصلية خلال عام 1925.

وتشير الدراسة إلى أنه كان يفترض وجود نسختين أو ثلاث نسخ أصلية موقعة من الاتفاق.

الطريق إلى ثورة 1925

مع الوقت اصطدمت سياسة Carbillet السلطوية ومحاولته فرض الإدارة المباشرة في الجبل بمختلف الاتجاهات الموجودة لدى الدروز.

وتقول الدراسة إن تصاعد الصراع بدأ باحتجاج زعماء الأطرش الذين أبعدهم Carbillet عن السلطة، ثم انتقل إلى الثورة الدرزية، وبعد ذلك إلى المشاركة الواسعة للدروز في الانتفاضة التي اتسعت بقيادة سلطان الأطرش تحت راية الوحدة والاستقلال.

وهكذا تكشف هذه الدراسة أن تاريخ دولة جبل الدروز لم يبدأ بقرار واحد ولم ينته باتفاق واحد.

بدأت القصة من واقع تاريخي كان فيه أهل الجبل متمسكين بحكمهم الذاتي وسلاحهم، ثم جاءت اجتماعات قنوات والمفاوضات، فاتفاق 4 آذار 1921، ثم الاعتراف باستقلال جبل الدروز وتشكيل الحكومة والمجلس في السويداء، ثم قيام دولة جبل الدروز والاعتراف بوضعها الخاص.

لكن العلاقة مع الانتداب الفرنسي تغيرت تدريجياً، والخلاف حول طبيعة الحكم والتدخل الفرنسي اتسع، حتى وصل الجبل إلى المواجهة والثورة عام 1925.

إنها مرحلة لا تحتاج إلى إضافة ولا إلى مبالغة.

فالوثائق التي اعتمدت عليها الدراسة تقول الكثير بنفسها.

المصدر الكامل

Lenka Bokova

Le traité du 4 mars 1921 et la formation de l'État du Djebel druze sous le Mandat français

Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée

العدد 48 و49

1988

الصفحات 213 إلى 222

الدراسة نفسها توضح أنها تستند إلى نتائج بحث دكتوراه للمؤلفة في التاريخ بجامعة Paris VII حول الثورة ضد الانتداب الفرنسي بين عامي 1925 و1927. 

مصدر الصورة ويكيميديا

DOI

https://doi.org/10.3406/remmm.1988.2238

النص الكامل على منصة Persée

https://www.persee.fr/doc/remmm_0035-1474_1988_num_48_1_2238

 

مشاركة :